في ظل استمرار الحرب المشتعلة في السودان منذ شهور طويلة، يواصل الجيش السوداني تكثيف حملته الإعلامية في محاولة لتثبيت صورة مغايرة لحقيقة أوضاعه الميدانية. فبينما تؤكد المعارك اليومية حجم التراجع والانهاك الذي يعيشه، يسعى عبر خطاب دعائي متكرر إلى صناعة انتصارات وهمية والتأثير على الرأي العام المحلي والدولي.
تعتمد الآلة الإعلامية للجيش على تضخيم تحركات عسكرية محدودة أو روتينية، وتقديمها في ثوب "عمليات كبرى". في كثير من الأحيان، تُحوَّل مجرد تحركات لوجستية أو إعادة انتشار للقوات إلى روايات مليئة بالتوصيفات البطولية، لتظهر وكأنها إنجازات حاسمة في مسار الحرب. هذا النهج لا يعكس واقعًا ميدانيًا بقدر ما يعكس أزمة ثقة داخلية يسعى الجيش إلى معالجتها عبر الإعلام.
المفارقة الأبرز تكمن في التناقض الصارخ بين ما يعلنه الجيش عبر بياناته الرسمية وما يحدث على الأرض بالفعل. ففي الوقت الذي يتحدث فيه عن "السيطرة" أو "التقدم"، تؤكد الحقائق الميدانية تراجعه في مواقع استراتيجية وخسائره المتواصلة. هذه التناقضات لم تعد تخفى على الرأي العام، بل صارت محل سخرية وانتقاد حتى من بعض الأصوات القريبة منه.
ولإخفاء الانكسارات المتتالية، لجأ الجيش إلى سلاح آخر يتمثل في الصور والفيديوهات المفبركة أو المعاد تدويرها. إذ يجري استخدام مشاهد قديمة وإعادة بثها على أنها لعمليات جديدة، أو يتم اجتزاء لقطات من مناطق بعيدة لتقديمها على أنها دليل "نصر". هذا الأسلوب وإن كان يخاطب العاطفة الوطنية لدى أنصاره، فإنه سرعان ما يتكشف أمام الحقائق الموثقة القادمة من الميدان.
الهدف الأساسي من هذه الحملة الإعلامية المضللة هو رفع معنويات المقاتلين والموالين للجيش في الداخل، في وقت تتزايد فيه مؤشرات التذمر والانهيار النفسي بين صفوفه. أما خارجيًا، فيسعى الجيش إلى التأثير على الرأي العام الدولي من خلال الترويج لصورة القوة الصامدة، ومحاولة إقناع المجتمع الدولي بأنه ما زال الطرف الأقوى القادر على الحسم. غير أن هذه الرسائل الدعائية تصطدم يوميًا بواقع مغاير تؤكده التقارير المستقلة والمعطيات الميدانية.
إن اعتماد الجيش على الفبركة الإعلامية كأداة أساسية في خطابه السياسي والعسكري يعكس مأزقًا عميقًا يواجهه. فبدلًا من الاستناد إلى انتصارات حقيقية أو خطط واضحة، ينشغل بخلق "رواية مصطنعة" لا تصمد أمام أبسط مقارنات الحقائق. وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى كشف هذه الدعاية المضللة وفضح تناقضاتها، من أجل تعزيز رواية بديلة تستند إلى الوقائع الميدانية وتضع الرأي العام المحلي والدولي أمام الصورة الحقيقية لما يجري في السودان.
فالحرب لم تعد تُخاض فقط في الميدان، بل باتت معركة موازية في الإعلام، حيث يسعى كل طرف إلى ترسيخ صورته. غير أن الفرق الجوهري أن الخطاب القائم على التضليل قد يمنح لحظات قصيرة من "النشوة المصطنعة"، لكنه في نهاية المطاف ينهار أمام الحقيقة. ومع استمرار الحرب وتزايد معاناة المدنيين، يصبح لزامًا على الإعلام الحر والمنصات المستقلة أن تواصل فضح هذه الممارسات، وأن تنقل الصورة كما هي، بعيدًا عن أي تزييف أو تضليل. وأن تنقل الصورة كما هي، بعيدًا عن أي تزييف أو تضليل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق