الخميس، 17 يوليو 2025

زيارة سرية في توقيت حرج: كيف تدير السعودية المشهد السياسي في بورتسودان؟


 


في زيارة غير معلنة جرت يوم 12 يوليو 2025، وصل نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي إلى مدينة بورتسودان في رحلة سريعة لكنها شديدة الحساسية من حيث التوقيت والمضمون. الزيارة استغرقت بضع ساعات فقط، لكنها حملت في طياتها رسائل واضحة تكشف حجم التدخل السعودي في الشأن السوداني، وخصوصًا في ما يتعلق بتركيبة السلطة داخل بورتسودان، وعلاقة المدنيين بالعسكريين، وتحديدًا بمن يُمنح صلاحية الحكم ومن يُنتظر منه أن ينفذ فقط.


الخريجي عقد اجتماعات مغلقة مع قادة الجيش على رأسهم عبد الفتاح البرهان وياسر العطا، إضافة إلى رئيس الوزراء كامل إدريس، الذي بات في الآونة الأخيرة يظهر نوعًا من التمرد السياسي على هيمنة الجيش، خاصة بعد محاولاته ممارسة صلاحياته في التشكيل الحكومي. إدريس كان قد أبدى اعتراضًا صريحًا على تدخل الجيش في تفاصيل اختيار الوزراء، وهو ما اعتُبر تحديًا غير مقبول داخل معسكر العسكر. لذلك، حمل الخريجي رسالة واضحة: التهدئة، والقبول بالأمر الواقع، وضرورة "العمل بتناغم مع القيادة العسكرية". بعبارة أوضح، جاء ليقول لرئيس الوزراء إن صلاحياته تُمنح ولا تُنتزع، وإن بقاءه في المشهد مشروط بالولاء، لا بالاستقلالية.


لكن هذا لم يكن كل ما في الزيارة. فقد كشفت مصادر مطلعة أن نائب وزير الخارجية السعودي عقد أيضًا لقاءً خاصًا مع علي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية، وهو الرجل الذي باتت له اليد الطولى داخل دوائر النفوذ في بورتسودان. اللقاء مع كرتي لم يكن بروتوكوليًا، بل سياسيًا بامتياز، حيث طلب منه الخريجي دعم حكومة كامل إدريس في المرحلة القادمة، ولو بشكل مؤقت. السعودية، التي تعلن رسميًا أنها على خلاف مع جماعات الإسلام السياسي، وجدت نفسها مضطرة الآن إلى التنسيق مع كرتي، فقط لضمان استقرار حكومة تمر بمرحلة حرجة من فقدان الشرعية الدولية وتفتت القاعدة المحلية.


أما الجانب الأخطر في هذه الزيارة، فتمثل في ما نقله الخريجي من وإلى الرياض. فقد حمل البرهان عبره رسالة مباشرة إلى القيادة السعودية يطلب فيها إمدادات عسكرية عاجلة. الطلب كان واضحًا: استمرار الحرب يحتاج إلى دعم مالي وتسليحي، والسعودية مطالبة بالوفاء بالتزاماتها تجاه حليفها العسكري في بورتسودان. لم يكن الحديث عن دبلوماسية أو إصلاحات سياسية، بل عن الذخيرة والعتاد.


اللافت أيضًا، أن زيارة الخريجي جاءت لتأكيد أمر يعرفه كثيرون داخل الأوساط السياسية، لكنه لا يُقال بصراحة: أن رئيس الوزراء كامل إدريس لم يُعيّن صدفة، ولا بناء على توافق داخلي. الرجل كان في الرياض قبل أيام من تنصيبه، وتحديدًا في 29 مايو، حيث التقى هناك مسؤولين سعوديين، ووفقًا للمصادر، قدّم تعهدات واضحة بتنفيذ ما يُطلب منه. بعد عودته إلى بورتسودان على طيران بدر، تم إعلانه رئيسًا للوزراء، وكأن السودان أصبح محطة تنفيذ لتوصيات خارجية.


بكل هذه التفاصيل، تطرح الزيارة أسئلة عميقة حول طبيعة السلطة القائمة في بورتسودان: من الذي يحكم فعلًا؟ هل هو البرهان والعسكر؟ هل هو علي كرتي وجماعته؟ أم أن الرياض باتت هي المرجعية النهائية لكل ما يُقرَّر داخل السودان؟ حكومة إدريس تبدو اليوم كمجرد واجهة مدنية هشة لسلطة هجينة، يجتمع فيها السلاح والصفقة والتوصية الخارجية.


المشهد السياسي في السودان لم يعد يتشكل داخل الخرطوم أو بورتسودان فحسب، بل في عواصم أخرى تمتلك المال والسلاح والنفوذ، بينما يُطلب من المواطن السوداني أن يكتفي بمشهد "مدني" مزيّف، تُدار تفاصيله بين العسكر، الإسلاميين، والدبلوماسيين القادمين بطائرات خاصة.



السبت، 5 يوليو 2025

إيران تتمدد عبر الخرطوم: البرهان يسلم السودان لتحالف مشبوه


 


في خضم الحرب السودانية المشتعلة، لم يعد الصراع مجرد مواجهة داخلية بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحوّل إلى بوابة مفتوحة أمام التدخلات الأجنبية، وعلى رأسها التدخل الإيراني الذي بات أكثر وضوحًا ووقاحة. عبد الفتاح البرهان، القائد العام للجيش السوداني، أصبح اليوم الواجهة الأكثر وضوحًا لمشروع إيران في السودان، بل وبات يُعرف في الدوائر الإقليمية والدولية بـ"رجل إيران الأول".


التحالف بين البرهان وإيران لم يعد مجرد إشاعة أو مزاعم معارضة، بل واقع تؤكده الوقائع والصور والمعلومات الميدانية. إيران لا تُخفي دعمها للجيش السوداني بطائرات مسيّرة وأسلحة متطورة وأنظمة مراقبة وتجسس، في مقابل أن يفتح لها البرهان أبواب السودان، أرضًا وبحرًا، لاستخدامه قاعدة جديدة لنفوذها في إفريقيا. الحركة الإسلامية السودانية، بزعامة البرهان، لم تتردد في تقديم الولاء لطهران دون أي استحياء، في وقت يبحث فيه الإيرانيون عن موطئ قدم داخل السودان يمكّنهم من التمدد نحو البحر الأحمر والقرن الإفريقي.


المساعدات العسكرية الإيرانية التي تدفقت على الخرطوم خلال الأشهر الماضية لم تكن فقط بهدف دعم الجيش في حربه ضد الدعم السريع، بل كانت جزءًا من مشروع استراتيجي لتثبيت النفوذ الإيراني في عمق القارة. المسيرات الإيرانية التي استخدمها الجيش في هجمات داخلية ليست سوى البداية. إيران تخطط لتكرار سيناريوهات مشابهة لما حدث في لبنان واليمن، حيث تحوّلت الجماعات المسلحة إلى وكلاء دائمين لطهران، يعملون على تنفيذ أجنداتها الإقليمية تحت غطاء محلي.


بورتسودان تحديدًا أصبحت نقطة ارتكاز رئيسية في هذا المخطط، فموقع المدينة الاستراتيجي على البحر الأحمر يجعل منها هدفًا ثمينًا لإيران، التي تسعى لتحويلها إلى قاعدة متقدمة تتيح لها تهديد الملاحة الدولية وربط شبكات الدعم مع الحوثيين في اليمن. وفي ظل التراخي الإقليمي والدولي، فإن هذا التهديد لم يعد مجرد احتمال، بل خطر حقيقي يقترب مع كل طائرة مسيّرة وكل شحنة سلاح تمر عبر الحدود.


التحالف بين البرهان وإيران لم يتوقف عند الدعم العسكري، بل امتد ليشمل إعادة تمكين الحركة الإسلامية السودانية وجماعة الإخوان المسلمين، في محاولة لإعادة إنتاج النظام القديم وتحويل السودان إلى نسخة جديدة من "الدولة العقائدية" الخاضعة للتدخلات الخارجية. البرهان، الذي يدّعي تمثيل المؤسسة العسكرية، أصبح في الواقع أداة سياسية بيد قوى خارجية تستخدمه لضرب الاستقرار وبناء شبكات نفوذ إيرانية في قلب إفريقيا.


الوضع في السودان لم يعد محصورًا في حرب أهلية، بل أصبح صراعًا إقليميًا بالوكالة، تتداخل فيه مصالح قوى كبرى مثل إيران وروسيا وتركيا، بينما يدفع المواطن السوداني الثمن وحده. السودان يُجر الآن نحو النموذج السوري واليمني، حيث يصبح النزاع الداخلي منصة لتصفية حسابات إقليمية لا علاقة لها بمصالح الشعب أو سيادة الدولة.


المخاوف تتصاعد يومًا بعد يوم، ليس فقط من توسع النفوذ الإيراني، بل من أن يُحوَّل السودان إلى نقطة انطلاق جديدة للإرهاب الدولي، عبر شبكات تهريب السلاح، وتجنيد الميليشيات، ودعم التنظيمات المتطرفة التي تجد في الفوضى فرصة ذهبية لتوسيع نشاطها.


البرهان لا يملك رؤية وطنية، ولا يمثل إرادة الشعب، بل يمثل تحالفًا عقيمًا بين جماعات الإسلام السياسي ومصالح خارجية، تسعى لاستغلال الفوضى في السودان لبناء مشروع يخدم أطرافًا لا علاقة لها بمستقبل البلاد. وإن لم يُوضع حد فوري لهذا التمدد الإيراني، فإن السودان سيجد نفسه قريبًا وقد تحول إلى منصة إيرانية في قلب القارة الإفريقية، تهدد الأمن العربي والدولي، وتقضي على آخر آمال الاستقرار والتحول الديمقراطي.


المرحلة الحالية تتطلب وعيًا شعبيًا واسعًا، ووقفة سياسية حاسمة من جميع القوى الوطنية لرفض هذا المشروع الخطير. كما أن المسؤولية الإقليمية والدولية أصبحت ملحة لوقف هذا التمدد الإيراني الذي لا يستهدف السودان وحده، بل يهدد الأمن الجماعي للمنطقة بأسرها. التغيير الحقيقي لن يبدأ إلا بإيقاف البرهان ومن خلفه، ومنعهم من تحويل السودان إلى ضيعة إيرانية جديدة تدار بالمسيرات والصواريخ وتغذى على دماء شعبه.





جدل في السودان بعد لقاء غير بروتوكولي للسفير السعودي في بورتسودان

  أثار تصرف السفير السعودي في السودان، علي بن حسن جعفر، جدلًا واسعًا بعد أن اختار لقاء المدير التنفيذي لمحلية بورتسودان خلال زيارة رئيس الوز...