منذ تصاعد حدة المواجهة بين إيران وإسرائيل، لا سيما بعد الضربات الإسرائيلية المتكررة التي طالت منشآت تصنيع الأسلحة والمسيّرات داخل العمق الإيراني، بدأت طهران تبحث عن بدائل استراتيجية تعيد لها القدرة على الاستمرار في مشروعها التوسعي والعسكري في المنطقة. وفي خضم هذه التحركات، برز السودان كخيار مثالي لإيران، نظراً لحالة الفوضى والحرب المستمرة، ووجود حلفاء داخل المؤسسة العسكرية السودانية، وخاصة قيادة الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان.
الاختيار لم يكن عشوائياً. فالسودان، وبخاصة الشرق وميناء بورتسودان، يتمتع بموقع جيوسياسي استراتيجي يطل على البحر الأحمر، ويقع في قلب شبكة طرق بحرية وجوية حيوية، يمكن استخدامها لتهريب الأسلحة والمعدّات العسكرية. كما أن غياب الرقابة الدولية، والانهيار الأمني، والنفوذ المتزايد للجيش السوداني على حساب السلطة المدنية، وفّر بيئة مناسبة لإيران لتوسيع نفوذها بعيداً عن أنظار العالم.
وما يزيد من خطورة الوضع هو أن هذا النفوذ الإيراني لا يقتصر على مجرد الدعم اللوجستي أو السياسي، بل يدخل في صميم البنية العسكرية السودانية، حيث تشير تقارير موثوقة إلى أن إيران بدأت فعلياً في بناء منشآت جديدة لتصنيع الطائرات المسيّرة والمعدّات العسكرية داخل السودان، بإشراف وتعاون مباشر من ضباط في الجيش السوداني.
قبل أشهر، أُعلن عن إنشاء قاعدة عسكرية في منطقة "أوسيف" شرق السودان، تحت إشراف الجيش السوداني، بحجة حماية الموانئ وتأمين الساحل. إلا أن مصادر متعددة أكدت أن المشروع جرى بالتنسيق مع مستشارين عسكريين إيرانيين، وأنه يأتي ضمن خطة أوسع للسيطرة على الساحل السوداني، وتحويله إلى ممر استراتيجي يخدم إيران في حربها ضد إسرائيل، ويُستخدم لتخزين الأسلحة وتهريبها عبر البحر الأحمر.
لم تكن قاعدة أوسيف سوى أول خطوة في مشروع أكبر. الهدف الحقيقي كان بناء "شبكة نفوذ" تمتد من المصانع العسكرية الجديدة في العمق السوداني إلى موانئ التهريب في الشرق، مروراً بصفقات تسليح تُدار في الخفاء، تحت رعاية الحرس الثوري الإيراني، وبتنسيق مباشر مع عناصر نافذة داخل الجيش السوداني.
مع تراجع سلطة الدولة المدنية في السودان، تحوّل ميناء بورتسودان إلى مركز عمليات فعلي لإيران. فالتقارير تُشير إلى استخدام الميناء كنقطة رئيسية لتهريب الأسلحة والمعدّات الإيرانية، سواء الموجهة إلى وكلاء إيران في المنطقة، أو المُخزنة استعداداً لأي مواجهة محتملة مع إسرائيل.
ويخشى محللون أن يكون هذا النشاط جزءاً من خطة أكبر تهدف إلى تحويل السودان إلى ساحة بديلة تُستخدم في تصنيع وتخزين ونقل الأسلحة بعيداً عن الأراضي الإيرانية، لا سيما بعد الضربات الدقيقة التي طالت منشآت إيرانية داخل البلاد من قبل الجيش الإسرائيلي.
وسط كل هذه التحركات، يلتزم المجتمع الدولي بصمت مريب، وكأن السودان خرج تماماً من خارطة الاهتمام العالمي. فبالرغم من وجود مؤشرات واضحة على نشاط إيراني مهدِّد لاستقرار المنطقة، لم تصدر أي إدانة صريحة، ولم يتم اتخاذ أي إجراءات رقابية لوقف استخدام الموانئ والمجال الجوي السوداني لأغراض عسكرية تتجاوز حدود السودان.
هذا الصمت لا يشجع فقط إيران على التمادي، بل يُرسل إشارة خطيرة لدول المنطقة بأن الساحة السودانية باتت مفتوحة أمام التدخلات الأجنبية دون محاسبة، ما يُهدد الأمن الإقليمي، ويعيد تشكيل موازين القوة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
الوضع في السودان اليوم لم يعد مجرد شأن داخلي. التدخل الإيراني يعكس تحوّلاً استراتيجياً، يحمل في طياته خطر توسّع الحرب من طهران إلى الخرطوم، ومن البحر الأحمر إلى العمق الإفريقي. فإيران لا تبحث فقط عن مأوى مؤقت لسلاحها، بل تسعى لتثبيت وجود دائم في السودان يمكنها من ضرب مصالح خصومها، وعلى رأسهم إسرائيل، متى شاءت، وبأدوات محلية.
إذا لم تتحرك الدول الإقليمية والمجتمع الدولي فوراً، فإن ما بدأ بقاعدة في "أوسيف" قد ينتهي بمنطقة ساحلية كاملة تحت النفوذ الإيراني، وبشبكة تهريب تمتد من السودان إلى اليمن ولبنان وغزة. وهي خطوة تهدد ليس فقط استقرار السودان، بل أمن البحر الأحمر، ومصالح دول الخليج، وممرات التجارة العالمية.
السودان اليوم يقف على مفترق طرق خطير. بين أن يكون دولة مستقلة تحمي سيادتها، أو أن يتحول إلى ورقة في يد إيران تُستخدم في حرب لا ناقة للسودانيين فيها ولا جمل. والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود الأسلحة أو المسيّرات، بل في بناء منظومة نفوذ إيرانية جديدة، تبدأ من الخرطوم ولا أحد يعلم أين تنتهي.



