في خطوة وصفت بأنها مفصلية في مسار التوازنات داخل السلطة الانتقالية في بورتسودان، كشفت مصادر متعددة عن زيارة سرية قام بها مدير جهاز المخابرات السودانية الأسبق، الفريق أول صلاح عبد الله قوش، إلى مدينة بورتسودان. الزيارة، التي لم تُعلن في أي وسيلة إعلام رسمية، جاءت وسط تصاعد التوترات بين المكونات السياسية والعسكرية، وبعد أيام من الكشف عن عقوبات أمريكية جديدة مرتبطة باستخدام الجيش لأسلحة كيميائية في النزاع الدائر.
بحسب مصادر سياسية وأمنية، فإن قوش دخل بورتسودان قادمًا من جهة لم تُفصح عنها، في زيارة جرت تحت ترتيبات أمنية مشددة، وبتنسيق مباشر مع قيادات في الحركة الإسلامية السودانية. وتشير المعطيات إلى أن مهمته لم تكن مجرّد وساطة بين الفرقاء، بل عملية إعادة تموضع للتيار الإسلامي داخل مؤسسات الحكم، عبر تفكيك التحالفات الحالية التي يقودها الفريق عبد الفتاح البرهان، وإعادة صياغة المشهد لصالح القوى الإسلامية.
منذ انتقال السلطة إلى بورتسودان، تشهد المدينة حالة من التوتر والتنافس داخل مكونات الحكم، خاصة في ملف تعيين رئيس الوزراء، حيث تتصارع عدة تيارات داخلية وخارجية حول من يحق له قيادة المرحلة المقبلة. البرهان، الذي بات يواجه عزلة متزايدة، اتخذ قرارات وُصفت بأنها "منفردة"، مما أدى إلى استياء كبير داخل قوى الإسلاميين الذين كانوا يعولون عليه للحفاظ على امتيازاتهم.
وبحسب مصادر متابعة، فإن الحركة الإسلامية شعرت بأن البرهان خرج عن سيطرتها، لا سيما بعد تجاهله أسماء مرشحة من داخل تيارهم لتولي منصب رئيس الوزراء، إلى جانب تعامله المنفرد مع ملفات حساسة كالعلاقات الخارجية والتعامل مع المجتمع الدولي في ظل الاتهامات باستخدام الأسلحة المحظورة.
الضغط الدولي على الجيش السوداني تضاعف خلال الأسابيع الماضية بعد صدور تقارير حقوقية دولية تؤكد استخدام الجيش لأسلحة كيميائية وبيولوجية ضد أهداف مدنية في مناطق النزاع. هذه التقارير دفعت الولايات المتحدة ودولًا أوروبية إلى فرض عقوبات جديدة، شملت كيانات وقيادات عسكرية، ما زاد من حجم العزلة الدولية المفروضة على السلطة في بورتسودان.
في هذا السياق، رأت الحركة الإسلامية أن استمرار البرهان في قيادة المرحلة الانتقالية بات عبئًا لا يمكن احتماله، وأن وجود شخصية أكثر انضباطًا في تنفيذ أجندتها بات ضرورة ملحّة. وهنا برز اسم صلاح قوش.
يُعد صلاح قوش من الشخصيات المحورية في جهاز الدولة العميقة، وصاحب علاقات ممتدة داخل أجهزة الأمن والجيش، فضلًا عن امتلاكه شبكة علاقات خارجية مع أطراف إقليمية ودولية. ويُعرف عنه أنه كان أحد مهندسي تحالفات السلطة منذ عهد الإنقاذ، ولعب أدوارًا استخباراتية حساسة، سواء في التنسيق مع واشنطن أو في إدارة الملفات الداخلية المرتبطة بالحركات المسلحة والمعارضة.
عودته الآن، في هذا التوقيت، لا يمكن قراءتها بمعزل عن الصراع داخل الحركة الإسلامية نفسها، ولا عن سعيها لإنقاذ ما تبقى من نفوذها في الدولة. فبينما يبدو البرهان في موقع ضعف خارجيًا، تتجه القوى الإسلامية إلى هندسة بديل قادر على حفظ مصالحها وإعادة تماسك قواعدها، خصوصًا داخل المؤسستين العسكرية والأمنية.
رغم أن تفاصيل لقاءات قوش في بورتسودان لم تُكشف، فإن المعلومات المتداولة تشير إلى أن النقاشات شملت ترتيبات لعزل البرهان بهدوء، أو تقليص صلاحياته تمهيدًا لدفعه إلى التنحي، وتقديم شخصية عسكرية جديدة أكثر قبولًا لدى الإسلاميين والمجتمع الدولي على حدٍ سواء.
لكن المراقبين يحذرون من أن عودة قوش قد تعمّق الانقسامات داخل الجيش نفسه، خاصة في ظل وجود تيارات لا تزال ترى في البرهان مظلة أمان لمصالحها، وقد ترفض أي محاولة لإعادة هندسة السلطة من خارج البنية القائمة حاليًا.
التحرك السري لصلاح قوش في بورتسودان لا يمكن فصله عن السياق العام للصراع داخل مكونات السلطة، ولا عن ضغوط الحركة الإسلامية التي تسعى لاستعادة السيطرة على مسار المرحلة الانتقالية. ما يجري الآن قد يكون تمهيدًا لانقلاب ناعم داخل مؤسسات الحكم، تُنفذه النخبة الأمنية بغطاء سياسي

















