منذ أن وطأت الحركة الإسلامية أرض الحكم في السودان عبر انقلاب الثلاثين من يونيو عام 1989، كان الجيش السوداني يمثل عمودها الفقري وسندها العسكري، حيث تحولت المؤسسة العسكرية إلى ذراع تنفيذية لأجندة أيديولوجية ضيقة أجهضت تطلعات السودانيين في الحرية والعدالة والمساواة. لم يكن ذلك الارتباط عابراً أو تحالفاً مؤقتاً، بل نشأت علاقة عضوية بين الطرفين، حيث تغلغل الإسلاميون في مفاصل القوات النظامية والأمنية، وزرعوا كوادرهم داخل الجيش لضمان بقاء حكمهم لعقود طويلة، فصار الجيش أداة لحماية مشروع الحركة الإسلامية لا للوطن ولا للشعب.
وبعد الثورة الشعبية المجيدة في ديسمبر، ظن كثيرون أن زمن هذه السيطرة قد ولى، وأن السودان بدأ يخطو نحو التحرر من إرث الحركة الإسلامية الذي كبل البلاد وأدخلها في عزلة عميقة، إلا أن الأحداث الجارية اليوم تؤكد أن تلك العلاقة لم تنكسر تماماً، بل بقيت تحت الرماد تنتظر اللحظة المناسبة للعودة.
اليوم تتكشف أمام السودانيين ملامح مشروع خطير يقوده عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، لإعادة تمكين الحركة الإسلامية من جديد ولكن بواجهات جديدة ومسميات مختلفة. فبعد أن أصبح من الصعب إعادة الإسلاميين إلى المشهد السياسي بأسمائهم المعروفة بسبب الرفض الشعبي العارم، لجأ البرهان إلى أساليب أكثر دهاءً، حيث يسعى الآن إلى إحياء ما يسمى بـ"المقاومة الشعبية"، وهي في حقيقتها ليست إلا امتداداً مقنعاً للعناصر الجهادية التي خدمت المشروع الإسلامي طيلة العقود الماضية. بهذه الخطوة يحاول البرهان أن يعيد بناء نفوذ الإسلاميين دون أن يثير الانتباه المباشر، مستفيداً من حالة التشرذم والانشغال الداخلي، متجاهلاً بذلك صراحة كل التعهدات التي أطلقها أمام المجتمعين الإقليمي والدولي بشأن حيادية المؤسسة العسكرية وابتعادها عن العمل السياسي.
لم تعد هذه المخططات خافية على أحد، فالمقاومة الشعبية التي يتم الترويج لها الآن، ما هي إلا إعادة صياغة للقوى الجهادية التي كانت جزءاً من ماكينة العنف والقمع أثناء حكم الحركة الإسلامية. يتحرك البرهان بخطى حثيثة نحو فتح الأبواب لهؤلاء تحت ذريعة حماية البلاد ومقاومة التهديدات، بينما الهدف الحقيقي هو خلق قوة موازية تابعة له وللحركة الإسلامية تضمن استمرار نفوذهم في الدولة السودانية مهما تغيرت الواجهات أو تبدلت الحكومات.
إن السماح للحركة الإسلامية بممارسة نشاطها من جديد تحت أسماء مستعارة لا يمثل فقط طعنة في ظهر الثورة السودانية، بل يشكل تهديداً وجودياً لمستقبل البلاد بأكمله، إذ أن عودة هذه الجماعة تعني عودة القمع والفساد وتفكيك ما تبقى من مؤسسات الدولة المدنية.
لقد أصبح من الواضح أن البرهان، رغم كل ما يقدمه من وعود في العلن، لم يغادر مربع التفكير القديم، ولا يزال يعتبر الحركة الإسلامية حليفاً موثوقاً يمكن الاعتماد عليه لضمان بقائه واستمراره في السلطة. كل ما يحدث اليوم من إعادة تموضع للإسلاميين تحت ستار "المقاومة الشعبية" إنما هو امتداد لتاريخ طويل من التحالف بين الجيش وهذه الجماعة، تحالف قام على مبدأ المصالح المشتركة والسيطرة المطلقة على الدولة، على حساب تطلعات الشعب السوداني.
إن محاولات التمويه وتغيير الأسماء لن تخدع الشعب الذي خبر أساليب الإسلاميين وعرف وجوههم جيداً، ولن يقبل السودانيون أن يعاد إنتاج منظومة القمع القديمة بمجرد تغيير في اللافتات.
الشعب السوداني، الذي دفع ثمناً غالياً في سبيل حريته وكرامته، يرفض بشكل قاطع أي محاولة لإعادة تدوير مشروع الحركة الإسلامية مهما ارتدت من أثواب. واليوم، تقع مسؤولية جسيمة على عاتق كل القوى الحية في المجتمع، من شباب الثورة إلى الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، لفضح هذه التحركات وكشفها أمام العالم، والتصدي لها بكل السبل السلمية الممكنة.
فالسودان الذي حلم به الشهداء والمعتقلون والمنفيون، لا مكان فيه لمشاريع الظلام ولا للمقاومة المزيفة التي تخدم الطغاة. المعركة لم تنتهِ بعد، ومصير السودان لا يزال بين أيدي أبنائه الأحرار الذين يعرفون جيداً أن الحرية لا تمنح، بل تنتزع، وأن الكرامة لا تصان إلا باليقظة الدائمة في مواجهة كل محاولات الغدر والالتفاف.









