في ظل الأحداث المتسارعة في السودان والتطورات الأخيرة التي شهدتها العاصمة الخرطوم، أطلَّ التنظيم الدولي للإخوان المسلمين ببيان تهنئة لما وصفه بتحرير المدينة من ميليشيات الدعم السريع. هذه التهنئة لم تكن مجرد موقف سياسي، بل تكشف بشكل واضح طبيعة الدور الذي يسعى الإخوان إلى لعبه في السودان، وهو استعادة السيطرة على الدولة وإعادة إنتاج حكمهم في المنطقة، بما يخدم أجندتهم العابرة للحدود ويهيئ الأرضية لعودة الجماعات الإرهابية إلى المشهد في القارة الأفريقية.
منذ بداية الصراع في السودان، حاولت جماعة الإخوان المسلمين استغلال حالة الفوضى لترتيب أوراقها وإعادة تموضعها في المشهد السياسي، مستغلة تحالفاتها داخل المؤسسة العسكرية وبعض القوى التقليدية المرتبطة بها. لم يكن خفياً على أحد أن القيادات العسكرية التي تتولى زمام الأمور حالياً ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحركة الإسلامية التي حكمت السودان لثلاثين عاماً، وأن عودة الإخوان للمشهد السياسي ليست سوى مسألة وقت. وبالتالي، فإن تهنئة التنظيم الدولي للجيش السوداني بهذا الانتصار ليست إلا تهنئة الإخوان للإخوان، حيث يحتفل التنظيم بنجاح مشروعه في إعادة إحكام قبضته على الدولة السودانية.
لكن الأمر لا يتوقف عند حدود السودان، فالإخوان المسلمين لطالما كانوا أداة رئيسية في زعزعة الاستقرار الإقليمي، وعلاقتهم بالتنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش ليست مجرد افتراضات أو اتهامات إعلامية، بل وقائع موثقة تاريخياً. ومن هنا، فإن عودتهم إلى السودان تعني أن البلاد قد تتحول مجدداً إلى ملاذ آمن لهذه الجماعات، خصوصاً في ظل وجود مناطق خارجة عن سيطرة الدولة يمكن استغلالها كمعاقل لتنظيمات إرهابية جديدة في أفريقيا.
في السياق الدولي، نجد أن القوى التي تدعم الإخوان هي نفسها التي تغذي النزاعات المسلحة وتمول الجماعات المتطرفة تحت غطاء دعم الحركات الإسلامية، وهو ما يتماشى مع رغبة بعض الدول في استخدام هذه الفوضى لفرض نفوذها الإقليمي. ولعل السودان اليوم هو المسرح الجديد لهذه اللعبة، حيث يتم استخدام الجيش كأداة لتنفيذ مشروع الإخوان، بينما يتم الترويج إعلامياً لحرب وطنية ضد عدو خارجي.
إن ما يحدث اليوم في السودان ليس تحريراً بقدر ما هو إعادة تدوير لذات المنظومة التي أرهقت البلاد لعقود، وتعيد إنتاج حكم الإخوان المسلمين بصيغة جديدة تحت غطاء المؤسسات العسكرية. وإذا لم يكن هناك تحرك وطني حقيقي لمواجهة هذا المشروع، فإن السودان سيكون قريباً مرتعاً جديداً للتطرف، وساحة أخرى لصراعات إقليمية تخدم مصالح الإخوان وحلفائهم، وليس مصالح الشعب السوداني الذي يدفع ثمن هذه التحالفات في كل مرة.












